منوعـات

«تقنية البناء».. تجارب دولية غيَّرت شكل السكن (3/8)

استعرضنا في الحلقتين السابقين من هذه السلسلة تاريخ البناء وتطوره عبر الأزمان والعصور، ثم النقلة التي أحدثها ظهور الإسمنت وتأثيره في تغير مفهوم البناء.

في هذه الحلقة نسلط الضوء على تجارب وممارسات دولية ناجحة في عالم «تقنيات البناء» وهي المجال الذي ارتادته دول العالم المتقدم؛ لإيجاد حلول عصرية وفعالة لقطاع العقار، واستخدمته دول أخرى لحل أزمة الإسكان بها، خاصة تلك التي تعاني تضخمًا سكانيًّا يفرض عليها توفير منازل عصرية وحديثة تساعد في سد الفجوة بين المعروض والطلب عليه.

وتقنية البناء التي تدخلها المملكة العربية السعودية بقوة تعدُّ أحد أجيال التقنية التي تشهدها الصناعة بشتى مجالاتها. فالآن بتنا على مشارف الجيل الرابع في تقنيات البناء، الذي يعتمد على الطباعة ثلاثية الأبعاد التي تتيح تصميم المنزل، ثم تنفيذه بسهولة، واختصار العديد من الخطوات ليكون ملائمًا لصاحبه وملبيًا لاحتياجاته.

العديد من دول العالم طورت تقنيات حديثة لحل أزمة السكن وإيجاد حلول متطورة وفعالة تنعش السوق وتغير من شكل المنازل التقليدية.

ففي أوروبا، خاصة في دول كالسويد والنرويج وألمانيا، أصبح المنزل لا يتم بناؤه بطريقة قديمة تعتمد على قيام المقاول بكل شيء من الألف إلى الياء، وإنما أصبحت هناك مصانع تقوم بإعداد مكونات المنزل مسبقًا لتكون جاهزة، ثم يتم تركيبها لإنشاء المنزل الجديد في أقل وقت ممكن، وكأنها عملية تركيب قطعة أثاث منزلية.

في الهند مثلًا التي يسكنها مليار وأربعمائة مليون إنسان، تعدُّ أزمة السكن معضلة كبرى تواجه الحكومة والمواطن على حد سواء، كما أن المناطق الحضرية بها تعاني زحامًا شديدًا وصعوبة في إنجاز المطلوب واستغراق أوقات أكثر من اللازم؛ لذلك لجأت الحكومة لتنفيذ خطة كبيرة تعتمد تقنيات البناء لمواجهة هذه المعضلة لتوفير مساكن لائقة، وخلال فترة زمنية وجيزة وتكلفة مناسبة. فقامت وزارة الاسكان بإنشاء منازل جاهزة تعتمد تقنيات حديثة أساسها الخرسانة المصبوبة من قبل لتوفير مسكن اجتماعي مقبول، والوصول بالخطة التي تحمل اسم (الإسكان للجميع) إلى بناء 20 مليون منزل بحلول 2022.

وتقنية البناء تقوم بالأساس على إعداد مكونات المسكن وجدرانه وأسقفه بمصانع متخصصة، ثم يتم نقلها إلى الموقع لتركيبها فيما بعد بواسطة متخصصين على الهيكل الخرساني أو الحديدي لاختصار وقت بناء المنزل إلى أقل من نصف الوقت الذي يستغرقه بناء المنزل بطريقة تقليدية.

وفي الولايات المتحدة الأميركية اتخذت أشكال تقنية البناء آفاقًا أكثر رحابة ودخلت عالم البناء اعتمادًا على تقنية 3D، أو الطباعة الثلاثية الأبعاد، فإحدى الشركات العاملة بمجال المقاولات قدمت مشروعًا قالت إنه سيحدث طفرة في عالم البناء؛ حيث ستوفر منزلًا جاهز الصنع باستخدام الطابعة بتكلفة تصل لنحو 8 آلاف دولار ويستغرق بناؤه 24 ساعة فقط. المنزل مساحته 60 مترًا ويكون جاهزًا للسكن خلال ساعات، وهو ما جعل الشركة ترى أن الملايين في العالم سيلجؤون إلى هذه التقنية لحل أزمة السكن، خاصة في الدول الفقيرة وكبيرة السكان.

وتقوم فكرة تقنيات البناء على عدة أهداف تدفع إلى تطوير الصناعة وتصب في فائدة المستهلك والدولة على حد سواء، ويعدُّ توفير الوقت أحد هذه الأهداف؛ حيث يتم تجميع المنزل من خلال الألواح الخرسانية الجاهزة في وقت محدود على عكس عملية البناء في الموقع، وأيضًا بسعر مناسب نتيجة اختصار العديد من العمليات التي تلزم لتنفيذ البناء ويكون وقتها في متناول شرائح اجتماعية أوسع، ففي المملكة قد يستغرق بناء مسكن مناسب حوالي عام ونصف العام وفق الطرق التقليدية التي تعتمد على تقنية الجيل الأول، بينما تقنية الجيل الرابع تختصر هذه المدة اختصارًا كبيرًا. كما ستوفر هذه التقنية العديد من الوظائف وتطوير الصناعة المحلية بالمملكة وريادة المنطقة في هذا القطاع والتصدير إليه.

وعلى نفس الخط تدخل السعودية هذا المجال لتنشئ تجربتها في مجال تقنية البناء،؛ حيث تمَّ تنفيذ العديد من المشاريع معتمدة على هذه الفكرة وخصصت الدولة الدعم اللازم لعدة مصانع للقيام بهذا التحول الذي يهدف إلى إحداث تغيير واسع في مفهوم السكن والعقار في المملكة.

وهنا تبرز «مبادرة تحفيز تقنية البناء» كواحدة من مبادرات القطاع الخاص الرائدة في مجال تطوير البناء وتقنياته، وتتخذ من عبارة «البناء يتحول» شعارًا لها. وتهدف المبادرة التي يعمل على تنفيذها برنامج الإسكان وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، إلى تسليط الضوء على تقنيات البناء، وفق «رؤية 2030»، التي تهدف إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية وتوطين صناعة تقنية البناء محليًّا لتوفير مساكن حديثة وعصرية للمواطن السعودي، وكذلك دعم المطورين والمقاولين وحثهم على استخدام هذه التقنيات.

وتعدُّ زيادة الطاقة الإنتاجية لمصانع تقنية البناء من خلال تطوير هذه الصناعة وزيادة سرعة التنفيذ لرفع قدرة البناء السنوية، وخفض تكلفة البناء لضمان بناء وحدات سكنية ميسرة، والمساهمة في خلق فرص عمل للسعوديين والسعوديات، على رأس أولويات المبادرة، وهو ما سنتناوله بمزيد من التفصيل في الحلقة القادمة في ضوء رؤية السعودية 2030.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق