مختصر المضامين التربوية في سورة الحجرات

908 قراءة
أخر تحديث : الأحد 4 يونيو 2017 - 2:19 مساءً

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن القرآن الكريم هو الدستور الذي لا يتغير ولا يتبدل، وهو الذي يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك كان من الواجب علينا أن نعمل به، وأن نتحاكم إليه، وأن نتدبره، وأن نقف عنده حدوده، وأن نمتثل أوامره، وأن نجتنب زواجره.

أصبحت التربية الإسلاميَّة في واقعنا المعاصر بحاجةٍ ماسَّة إلى تأصيلٍ إسلامي في جوانبها المختلفة وتربية الناس عليها؛ وذلك لما يلاحظُ اليوم من تداخُل بين الثقافات العالميَّة الشرقيَّة منها والغربيَّة، هذا التداخُل الذي فرضَتْه وسائل الاتِّصال الحديثة عبر الفضائيَّات المختلفة وشَبكات (الإنترنت)، فمن هذا المنطلق لا بُدَّ من وقفةٍ حازمة من المفكِّرين ورجال التربية في العالم الإسلامي لمواجهة هذا المدِّ الطاغي من الثقافة الغربيَّة وتداعياتها المختلفة التي لا شكَّ أنَّ لها آثارًا سلبيَّة على الفرد والمجتمع.

إنَّ تأصيل التربية الإسلاميَّة يجعلها تستمدُّ مقوماتها الأساسيَّة وتوجيهاتها من مصادر التشريع الإسلامي ممثَّلة في القُرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة، يقول المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم – كما روَى ذلك الحاكمُ في “مستدركه” من حديث أبي هريرة – رضِي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي قد ترَكتُ فيكم شيئين لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنَّتي، ولن يتفرَّقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ)).

ففي القُرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الشريفة ما يعينُ المربِّين المسلمين على القيام بمسؤوليَّتهم تجاه الفرد المسلم والمجتمع المسلم حتى يستقيما على منهج الله، ويصبح لديهما من المناعة والوقاية حصن حصين يحميهما من أنْ يستحوذَ عليهما الشيطانُ؛ فيقعا في مَهاوِي الإثم والمعصية؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

إنَّ الإنسان ليس معصومًا من الزَّلل، والشيطان حريصٌ كلَّ الحرصِ على غوايته، فهو مُتربِّصٌ به دائما ليضلَّه عن طريق الهداية؛ حيث قطع على نفسه عهدًا بذلك حينما أخرَجَه الله من الجنة؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۞ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 82، 83].

من أجل هذا حرصت التربية الإسلاميَّة منذُ القرن الهجري الأوَّل على حماية الفردِ المسلم والمجتمعِ المسلم من الوُقوع في حبائل الشيطان.

 وعمل المربون المسلمون ابتداءً برسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وحتى يومنا هذا على تلمُّس المنهج التربوي الوقائي الذي يحمي الفرد المسلم والمجتمع المسلم من الانحِراف عن منهج الله القويم، حتى يكونا قي أحسن تقويم.

 وسنقف بعض الوقفات مع بعض الآيات من هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقاً عالية وآماداً بعيدة؛ وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة؛ وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات!

هذه السورة تسمى سورة الأخلاق؛ لاشتمالها على جملة من الآداب؛ الأدب مع الله، والأدب مع رسول الله، والأدب مع عباد الله المؤمنين.

١- نداء محبب لتقويم سلوك غير مرغوب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [الحجرات:١]

 رغم أن الخطاب كان موجها لتقويم سلوك صدر من بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- كما أشرنا في سبب النزول إلا أن النداء لهم كان في غاية الرقي وعليه فإنه من الحري بنا كمسلمين، وكدُعاة بشكل خاص، أن تكون توجيهاتنا، وتصويباتنا لكثير من الانحرافات التي تحدث أمامنا باسلوب لين هين بل محبب للنفس وذلك لأن الهدف هو التوجيه، والإصلاح والتقويم، ونحن لن نسعَ الناس أبدا بأموالنا أو قوتنا ولكننا قد ننقذهم بأخلاقنا.

 فائـــدة:

((ومن هنا فإن على الدعاة خاصة والمسلمين بشكل عام أن يستحضروا المنهج الرباني في دعوتهم ومخاطبتهم للناس)) (1)

٢- النهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله بأي فعل أو قول

 والأصل في هذا قول الله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) هنا نهي من الشارع بعدم إبداء الرأي في مسألة شرعية وإنما نستمع لتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم حيالها وننفذ أمر الله فيها حين يأمر بلا جدال أو نقاش فلا رأي لنا ولا إرادة أمام خالقنا وبحضرة نبينا وذلك خشية وحياء وأدبا مع الله.

 هنا تم رسم منهج للمسلم في تأدبه مع الله – والله حي لا يموت – والتأدب مع الله يستلزم التأدب مع شرعه، والتأدب مع كتابه، والتأدب مع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن ثم الأدب مع من يحمل كتاب الله ويرث سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالعلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يُورِثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم كما جاء في الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فمن أساء الأدب معهم فقد أساء الأدب مع الله ومع رسوله لأن ذلك لن يقف عند أشخاصهم بل سيتعدى إلى ما يحملونه من علم الكتاب والسنة(٢)

 فائــدة:

< وجوب تقديم أمر الله وأمر رسوله، و يكون ذلك بالتمسك بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا من الأصول التي اتفق سلف هذه الأمة عليها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلا يقبل من أحد قط أن يُعارض القرآن لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده» (٣)

من هنا فإنه يستلزم على المسلم بشكل عام أن يحترم السلطة الشرعية التي تستمد منهجها وأسسها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ونعلم أن الله قد منحهم من العلم ما لم يمنح العامة من الناس؛ فهم قد كرسوا وقتهم واهتمامهم في أمور الدين فتخصصوا في كثير من المسائل الدينية فعِلمُنا أمامهم قد يكون قاصرا، فليس لهم عندنا في أمور الشرع الا السمع والطاعة فهم ورثة أنبياء الله في أرضه.

 

٣- أمر بتقوى الله ومراقبته وتذكير بأنه يسمع ويعلم (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

 بعد أن رسم الله وبيّن منهج للتعامل والتأدب مع الله ورسوله أمر بتقواه ومخافته وذلك للتأكيد على التزام أوامره واجتناب نواهيه ثم التأكيد على أنه سبحانه سميع عليم لكل ما يصدر منهم. وعليه فيجب مراقبته سبحانه والتزام أوامره واجتناب نواهيه في السر والعلن .

فائــدة:

 يقول سيد قطب -رحمه الله- في أمر التقوى: التقوى: حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق (٤)

فالتقوى هي التي تصوغ المؤمن ليكون مؤمنا في نظره إذا نظر، وفي سمعه إذا سمع، وفي حديثه إذا تحدث جهر به أم أسر، فملأ سمعه إيمان وملأ بصره كذلك، حتى في جلسته يتخير الجلسة المؤمنة حيث يُحتفى به كمؤمن ملتزم بآداب الإسلام ليكون أهلا لكل توقير وتبجيل.(٥)

– وعليه فلا يكفي أن نسمع التعليمات والأوامر وننفذها على مرأ ومسمع الخلق بل يجب أن نحترمها بالتزامها في السر والعلن.

 

٤- النهي عن رفع الصوت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)

 هنا أيضا نداء مُحبب تبعه توجيه مهم يختص بأدب التعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا النهي فهماً ظاهراً، وتمثلوه سلوكاً عملياً لازماً لهم، وهناك نماذج كثيرة ذكرها السلف تدل على سرعة استجابتهم وامتثالهم ومنها: ما ذُكر عن ابن الزبير قوله: “فما كان عمر يُسمِع رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه”.

 وهذا الموقف وغيره من المواقف تدل على لزوم هذا الفهم الظاهر وأن المنهي عنه هو رفع الصوت الحسي حقيقةً، حتى إن الصحابة -رضوان الله عليهم- ثابروا على هذا الأدب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الحافظ بن كثير عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً.(٦)

 وذكر بعض المفسرين أن هذا الأدب قد وعاه السلف حيث تجاوزوا به شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل شيخ وعالم من العلماء، احتراما لهم، حيث إنهم يحملون ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سنته.(٧)

 فائــدة:

– إذا كان رفع الصوت عند رسول الله صلى  الله عليه وسلم وكاد أن يحبط عمل أبي بكر وعمر-رضي الله عنهما- فما سيكون حال من يرفع صوته فوق صوت الحق؟ أُولَئِكَ الذين يقدمون شريعة الطاغوت على شريعة الله، أُولَئِكَ الذين يعادون ويوالون في سبيل الشيطان. (٨)

– يجب أن نحفظ للعلماء مكانتهم، وفاعليتهم في قيادة الأمة، وأن نتأدب معهم ونحمل أقوالهم وآراءهم على محمل حسن.(٩)

– قد يكون جرح العالِم جرح للنبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا هو معنى قول ابن عباس: «من آذى فقيها فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله-جل وعلا-»

 إذا.. فالذي يجرح العالِم يجرح العلم الذي معه، ومن جرح هذا العلم، فقد جرح إرث النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى ذلك فهو يطعن في الإسلام من حيث لا يشعر.(١٠)

 

٥- النهي عن الجهر للرسول بالقول والتحذير من محبطات الأعمال. (… وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)

 والنهي هنا كما هو واضح ليس عن الجهر بشكل كلي وإنما كان مقيدا بقوله تعالى (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) فالرسول-صلى الله عليه وسلم- له مكانته وتقديره وهيبته، التي تستلزم الحديث معه بشكل مختلف، يتناسب مع الوقار والمكانة التي وهبها الله له. وسوء الأدب معه -صلى الله عليه وسلم- في هذا المقام قد يُورد المهالك ويُحبط العمل مما قد يؤدي إلى نار جهنم. وقد حذرنا الله من هذا المسلك الذي قد لا نشعر به.

 فائــدة:

– لكل مقام مقال، ولكل شخص منزلته ومكانته التي لا يحق لأي كان أن يتخطاها، أو يتعدى عليها ولو بعبارة، أو حتى كلمة؛ فالأب أب والمُعلم معلم والعالِم عالم، ولكل قدره، وقدر رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فوق الجميع؛ وقد حذر الله من التعدي على الحدود أثناء التعامل معه بأي شكل كان.

– يجب أن يتنبه المرء لسلوكياته، وأقواله، وأفعاله، وتكون موزونة في مكانها الصحيح، وبشكلها المفترض؛ لأننا خطاؤن وقد يصدر منا الخطأ الذي يحبط عملنا من غير دراية أو شعور منا.

 

٦- الثناء على من يغض صوته عند الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)

 مدح الله -تعالى- من غضّ صوته عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه اختبر قلوبهم فكانت النتيجة بأنها صلحت للتقوى، ثم وعدهم المغفرة لذنوبهم، المتضمنة لزوال الشر والمكروه والأجر العظيم، الذي لا يعلم وصفه إلا الله تعالى، وفي الأجر العظيم وجود المحبوب. وفي هذا دليل على أن الله يمتحن القلوب بالأمر والنهي.(١١)

 فالتقوى هبة عظيمة، يختار اللّه لها القلوب، بعد امتحان واختبار، وبعد تخليص وتمحيص، فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها وقد ثبت أنه يستحقها. والذين يغضون أصواتهم عند رسول اللّه قد اختبر اللّه قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهِبة؛ هبة التقوى. وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم. إنه الترغيب العميق، بعد التحذير المخيف. بها يربي اللّه قلوب عباده المختارين، ويُعِدُّها للأمر العظيم.(١٢)

 فائــدة:

 – من لازَم أمر الله واتبع رضاه وقدّمه على هواه، تمحّض وتمحّص للتقوى، وصار قلبه صالحًا لها ومن لم يكن كذلك، علم أنه لا يصلح للتقوى.(١٣)

 
 – غضّ الصوت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المعيار الحقيقي لتمكن التقوى من قلب المرء، وهذا النص يدل بمفهوم المخالفة على أن الذين لا يغضون أصواتهم عند رسول الله لم تتمحّض التقوى في قلوبهم تمام التمحض، بل ربما لم تكن أهلاً للتقوى ولا محلاً قابلاً لها والعياذ بالله.(١٤)

 

٧- النهي عن إزعاجة -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

 هنا تنويه إلى أنه لا ينبغي إزعاج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء خلوته الخاصّة في حجراته، وأن من يقوم بهذا الفعل تنفي عنه صفة العقل غالبا؛ وبيّن سبحانه أنه كان من المفترض على من أزعج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينتظر ويصبر حتى يخرج اليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم ختمت الآية ببيان أن الله غفور رحيم، وفي ذلك ترغيب لهم في العدول عن مثل هذا السلوك وطلب المغفرة والرحمة من الله .

 فائــدة:

– يجب احترام خصوصيات الآخرين، ومراعاة الأوقات المناسبة للالتقاء بهم، أو محاورتهم أو حتى مشاورتهم في أي أمر فكل إنسان له خصوصيات ووقت يحب أن يختلي به عن البعض؛ ومراعاة ذلك أدب إسلامي جم.

 – لقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع، وتجاوزوا به شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى كل أستاذ وعالِم؛ لا يزعجونه حتى يخرج إليهم ، ولا يقتحمون عليه حتى يدعوهم. يُحكى عن أبي عبيد – العالم الزاهد الراوية الثقة – أنه قال: «ما دققت بابا على عالِم قط حتى يخرج في وقت خروجه».(١٥)

 – التأكيد على حلية الصبر التي يجب أن يتحلى بها المسلم في كثير من أموره.

– أنه لا حرج على من ولاه الله أمرا ًمن أمور المسلمين أن يحتجب في وقت مخصوص لحاجته.(١٦) وعلينا احترام ذلك وعدم إزعاجه، وتوطين أنفسنا على الصبر بانتظاره.

 

٨ – وجوب التثبت في خبر الفاسق (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُم نَادِمِينَ)

 فالقيادة المسلمة تجد نفسها أمام التزام أخلاقي يفرض عليها التريث والتحقق قبل اتخاذ القرارات، وعدم الجري وراء كل شائعة وشاردة وواردة، وإلا فإنها قد تدفع بالمجتمع المسلم إلى العنت والمشقة، كما قال تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم).

 كما أنها أمام التزام أخلاقي يفرض عليها الحفاظ على رباط الأخوة الإيمانية في نفس الوقت الذي تدعم فيه أركان الأمن السياسي في الأمة المسلمة.(١٧)

 فوائــد:

 – ذم الفاسق لأنه لم يقبل خبره إلا بعد التثبت، وفي هذا تحذير من هذا الخلق الذميم وتنفير منه.

– أن خبر الفاسق لا يرد ولا يقبل بل يجب التثبت منه .

 – أن التعجل وعدم التثبت من خبر الفُسّاق والآخذ به قد يفضي إلى الندم.(١٨)

 

٩- تذكّر نعم الله وفضله على العباد: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ* فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

 فمن نِعم الله سبحانه وتعالى على الصحابة -رضوان الله عليهم- وجود الرسول-صلى الله عليه وسلم- بينهم يأمر وينهى ويُرشِد ويُوجِّه ويعلم ما يصلح لهم أكثر من أنفسهم وأنه -صلى الله عليه وسلم- لو أطاعهم في كثير من الأمور لوجدوا في ذلك المتاعب؛ وهذا الفضل والنعمة يختصّ بها كل من شهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعاش في زمنه.

 ومن نعمه سبحانه أيضا أنه جعل الإيمان مُحببا إلى قلوبهم، والكفر مكروه، وهذا لا يكون إلا لمن سلك طريق الرشد.

 فائــدة:

– أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم بمصلحة أمته أكثر منها، وأنه يعمل وفق هذا الأمر؛ وعليه يجب أن نتبع سنته ولا نخالف أمره الذي هو وحي من الله.

 – أن الأصل في المؤمنين هو حب الإيمان، وكُره الكفر، والفسوق، والعصيان.

– فيجب علينا أن نجتهد وننبذ كل ما يخالف توجهاتنا وفكرنا كمسلمين مُطيعين لله، متبعين سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولنعلم أن ذلك يكون دلالة على الاستقامة والرشد، وذلك كله من نِعم وفضل الله علينا.(١٩)

 

١٠- الإصلاح بين المؤمنين وقتال البغاة حتى يرجعوا للحق: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون)

 وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك، تحت النزوات والاندفاعات. وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت بعض الروايات، أم كان تشريعا لتلافي مثل هذه الحالات، فهو يمثل قاعدة عامة مُحكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق. ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح، والارتكان في هذا كله إلى تقوى اللّه ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح.

 فائــدة:

 – قد يحتدم بين المسلمين خلاف، وقتال ويجب علينا كمسلمين بل وعلى كل من له وجاهة وسلطة مؤثرة، أن يعمل على رأب الصدع، وتجاوز الخلاف حفاظاً على رابطة الأخوة الإيمانية. ولا شك أن إصلاح ذات البين، من أهم مقومات سلامة المجتمع الإسلامي، كما جاء في حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏ «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ‏ ‏ذات البين، ‏ ‏وفساد ‏ ‏ذات البين ‏ ‏الحالقة».(٢٠)

 – الاقتتال بين الطوائف المختلفة في الإسلام لا ينفي عنهم صفة كونهم مؤمنين في حال إيمانهم. وعليه فلا يصح ما نراه اليوم من تكفير بعض المسلمين لبعض، عند وقوع خلاف ما، ويجب علينا أن لا ننساق وراء هذه الخلافات، ونُحكِّم شرع الله في كل كبيرة وصغيرة بعيدا عن الحمية والعصبية.

 – عند الخلاف والقتال يجب محاولة الإصلاح أولا، وعدم الاندفاع والانسياق مع فرقة بعينها خاصة إذا كانت الفِرق كلها من الفِرق المؤمنة التي نحسبها كذلك. وهذا يعتبر الحل أو التصرف الأول، وعليه يجب أن نقيس ما يقع من خلافات مختلفة في الأوساط الاجتماعية داخل الأسرة أو المدرسة أو غيرها، أو حتى الخلافات السياسية الكبيرة، التي قد تؤثر على الأمة. فالإصلاح أولا هو قاعدتنا هنا.

– في حال فشلت محاولة الصُلح عندها فليس أمامنا سوى القوة ومساندة الحق بالتصدي للبُغاة وإلزامهم بالطريق القويم، بالرجوع إلى شرع الله. وهذه أيضا، قاعدة يجب على المسلمين أن يلتزموا بها في حياتهم بشكل عام، فالصُلح أولا، وان لم يجدي نفعا فلا مجال إلا لتطبيق الحق بالقوة التي قد تختلف باختلاف الحال.

– أن العدل والقسط مطلب أساسي في الإصلاح، ويجب أن نأخذه بعين الاعتبار حتى في حال خصوماتنا اليومية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يأمر به ويحب من يلتزم به.

– يجب تذكر الرابط الأخوي وأنه حبل متين بين الأخوة فأخوة الإيمان قائمة وإن دب الخلاف والقتال، ويجب أن نتذكرها، ولعلها تكون رادعا عن التمادي في الخلافات؛ وعليه فلا يجب أن ننسى العلاقات الدقيقة بيننا كمسلمين، حتى لو تخاصمنا ودب بيننا خلاف ما، سواء داخل أسرة صغيرة أو مجتمع كبير، فالعلاقات الدقيقة يجب أن تُحترم وتُؤخذ بعين الاعتبار، وتقوى الله أمر مطلوب في كل الأحوال ويجب أيضا أن لا نغفله حين محاولة الصلح، أو رأب صدعٍ ما بين جماعتين، وقد يكون مدعاة لرحمة الله سبحانه.

 

١١- النهي عن السخرية واللمز والتنابز بين المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)

إن المجتمع الفاضل الذي يُقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تُمس وهي من كرامة المجموع. ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس، لأن الجماعة كلها وحدة، كرامتها واحدة. وفي الآية إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية التي يوزن بها الناس فهناك قيم أخرى قد تكون خافية عليهم يعلمها اللّه ويزن بها العباد.(٢١)

 فائــدة:

– السخرية خُلُق ممقوت لدى كل المجتمعات، وفي مجتمعنا الإسلامي ليس ممقوتا فقط؛ بل نزلت في النهي عنه آيات من الله. فهو مُحرّم في ديننا ويجب تجنبه لما له من تأثير سيء على المجتمع الإسلامي واستنقاص لبعض من أفراده من غير وجه حق وتحت معايير وموازين يضعها الناس ويقررها في التفاضل، والله -سبحانه وتعالى- عنده معايير ومقاييس أخري يقيس بها البشر من ناحية الأفضلية سواء كانوا ذكورا، أو إناثا. فيجب الحذر من هذا الخُلُق، وتربية الأبناء على تجنبه بشكل كلي.

– من لمز وعاب أخاه المسلم فكأنما لمز وعاب نفسه، وهذا قبيح مرغوبٌ عنه، فوجب ترفُّع المرء عنه تماماً كما يترفع عن كشف مساوئه وعيوبه للناس وإن كانت فيه في نفس الأمر.(٢٢)

 – وهذا أدب اجتماعي جم، يجب أن لا يهمله المُربي مع نفسه كقدوة، ومع من حوله، ويجب عليه توجيه من يقع في محذور الهمز أو اللمز.

 – تعتبر السخرية واللمز في ميزان الشرع انحراف قد يؤدي إلى الفسوق الذي يشبه الارتداد عن الإيمان لكونه ظلما، والظلم قد يكون شركا والعياذ بالله.

 – أن حال المؤمن قد تنقلب بفعل سلوكياته وسوء أدبه مع الغير وعدم مراعاة مشاعرهم، فيصبح فاسقا والعياذ بالله. فيجب علينا كمسلمين، أن نتوخى الحذر في كل كلمة أو همزة أو لمزة، ضنا بأنفسنا أن ننزلق مزالق السوء.

 

١٢- الأمر باجتناب الظن السيئ والتجسس والغيبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)

نداء محبب يليه جملة من التوجيهات الربانية باجتناب ما قد يقع فيه أي إنسان لا وازع ديني يردعه. فما نهى الله عنه في هذه الآية الكريمة يمكن اعتباره بمثابة قنابل موقوتة قد تدمر أي مجتمع بشكل متتالي أو جملة واحدة. وإلا فما ظننا بمجتمع تسري فيه هذه المنهيات غير أنه إلى انهيار وزوال بعد انحراف وزيغ وتشاحن وتباغض.”ومن جرى مع ظنونه واسترسل معها أوصلته إلى ما لا يحمد عقباه مما يأثم به حتماً”.(٢٣)

 فالظن السيئ قد يفضي إلى التجسس والغيبة معا، وربنا سبحانه لم يخلقنا لعبادته بلا توجيه وهو الرحيم بنا الغفور التواب لما قد يقع منا. ولقد جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد النهي عن هذه الأخلاق الخبيثة -الظن السيئ، التجسس، الغيبة- حيث قال -صلى الله عليه وسلم- :«إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً».(٢٤) فكان هذا أبلغ ما يكون في تطهير المجتمع المسلم من هذه القبيحة. كما قال -صلى الله عليه وسلم-: في حق الغيبة «لما عُرِج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم».(٢٥) وعلاقة كل ذلك بمسألة الأخلاق تجريد أفراد المجتمع من أي حجة أو ذريعة، وهمية للاستعلاء على إخوانهم المسلمين فيعود كل فرد إلى ملاحظة عيوبه وأخطائه وقصوره، فينشغل بذلك عن تتبع عيوب وأخطاء    الآخرين، وهتك سترهم بألفاظ السخرية، والنميمة، والغيبة، واللمز ونحوه، وهذا البيان الشمولي في السورة ثمرة من ثمار الإعجاز القرآني الفريد.(٢٦)

 فائــدة:

 – ما دام النهي مُنصَبا على أكثر الظن، والقاعدة أن بعض الظن إثم، فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيئ أصلا، لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثما! بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السّيّئ، فيقع في الإثم ويدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك.(٢٧)

 – على المسلم أن يلتزم بقائمة المنهيات هنا ويربي عليها من يعول حتى يدخل في زمرة من يخاطبهم الله بهذا الخطاب الجميل (يا أيها الذين آمنوا…) .

 – هذه الآية يجب أن تعتبر ركيزة أساسية في حياة كل مسلم؛ لما تحويه من منهيات خُلقية ذميمة حذّر منها خالقنا وهو العالم بحالنا سبحانه وتعالى.

 – إن شناعة هذه الخلق المنهي عنها في الآية توجب عدم إهمالها في حياتنا وتعاملاتنا وفي تربية أبنائنا حتى يكون مجتمعنا مجتمع نظيف نزيه يسوده الود والمحبة.

– لقد نفّر الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآية عن الغيبة ومثّل لها بمثال يجعل النفس السوية تشمئز منها جملة وتفصيلا، فلا يفوتنا أن نغرس كره هذا الخلق في نفوس الأجيال المسلمة حتى يشِبّ مجتمعنا نظيفا سويا خاليا مما يعكره من مثل هذه السلوكيات.

– يجب علينا كمسلمين تقوى الله في كل سلوكياتنا بتجنب المنهيات والتوبة منها فالله تواب رحيم. ولا بد من تربية أبنائنا أيضا على تقوى الله.

 

١٣- معيار التفاضل بين الناس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

 بعد أن نهى الله -سبحانه وتعالى- عن جملة من السلوكيات، والتوجهات الغير سوية، التي قد يحملها البعض، وضح سبحانه في هذه الآية أيضا مبدأ مهم يجعل الجميع يفكر بشكل سوي، ويعيد حساباته، حيث أشار أولا إلى أن أصل الناس واحدا، فكلهم من آدم وحواء، فلا داعي أن يعجب المرء بنسبه أو مكانته بين قومه فإن هذه الأمور لا مجال للتفاضل فيها عند الله، لأنه سبحانه خلقنا من ذكر وأنثى وجعل التساوي بيننا هو الأصل، والتفاضل بينا عنده هو في مدى التقوى. وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».(٢٨)

 فائــدة:

 – إن أقرار الله -سبحانه وتعالى- لمبدأ التساوي لديه في طبيعة، وأصل خلق الناس، مدعاة لكفهم وابتعادهم عن الاستعلاء، والتعدي على الآخرين بغيبة أو نميمة أو خلافها من الخلق السيئ الذي قد ينحوه من يرى نفسه أفضل من الآخرين، سواء بماله، أو نسبه، أو مكانته الاجتماعية، فالله سبحانه وضح أن أصل الخلق واحد، وبين معيار التفاضل لديه بين خلقه وهو التقوى.

– علينا كمسلمين أن نتذكر أصل خلقتنا، وأن التفاضل بيننا عند الله سبحانه هو بالتقوى فقط. ونروض أنفسنا ومن نربي ونعول على التواضع وتقوى الله -سبحانه وتعالى- وبذلك نتجنب الكثير من الأخلاق السيئة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها، وبذلك ننشئ جيل تقيا نقيا عارفا لقدره وعاملا على مرضاة ربه، فيكون الرقي حليف مجتمعنا الإسلامي بإذن الله.

 

١٤- مرتبة الإيمان وما يلزم لها: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)

 لما وضح الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة المعيار الذي يُقاس به أفضلية الناس، وكان من المُشاهد هنا ادعاء بعض الناس لأنفسهم مراتب ليست لهم، كان من اللازم بيان مراتب الإيمان والتنبيه على الفرق بين الإسلام والإيمان وأن تحقيق هذه المراتب لا يكون بالقول فقط.(٢٩) فالانتماء للإيمان يستلزم الإيمان الحق بالله ورسوله وذلك بإتباع كل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهو عنه، ويدل عليه استعدادهم، وتضحيتهم بأموالهم وأنفسهم. فليس من قال أنا مؤمن يصدق، بل لابد من فعل يُثبت القول. وهؤلاء الأعراب، لم يثبت إيمانهم بعد وإنما كان لهم الكثير من السلوكيات المختلة التي تحتاج لمعالجة.

 فائــدة:

 – لا يجوز أن يزكي المسلم نفسه ويدعي حصولها على فضل أو مرتبة ليست لها، فيجب التوخي لأن الأمر ليس مجرد كلمة تقال وتصدق.

 – الكلمات لها مدلولات يجب التنبه لها، وهذا يجعل المرء حريص على تحري الدقة، حتى في اختيار ألفاظه.

– كل أمر أو فضيلة له مدلول يدل عليها، فالإيمان مثلا لا يكون بالقلب بمجرد طاعة الله ورسوله فقط، بل لابد من أن يكون واقرا في القلب، وتصدقه وتترجمه الأفعال. ومنها الاستعداد للتضحية بالنفس والنفيس.

 

١٥- وجوب معرفة قدر الله ومدى علمه وفضله (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ*إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)

 هذه حالة من أحوال من ادّعى لنفسه الإيمان وليس به، فإنه إما أن يكون ذلك تعليمًا لله وقد علِم أنه عالم بكل شيء، وإما أن يكون قصدهم بهذا الكلام المِنّة على رسوله وأنهم قد بذلوا له وتبرعوا بما ليس من مصالحهم، بل هو من حظوظه الدنيوية، وهذا تجمل بما لا يجمل، وفخر بما لا ينبغي لهم أن يفتخروا على رسوله به فإن المّنّة لله تعالى عليهم، فكما أنه تعالى يمُنّ عليهم بالخلق والرزق، والنِّعم الظاهرة و الباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومِنّته عليهم بالإيمان أعظم من كل شيء.(٣٠)

 فائــدة:

– إن من يدّعون لأنفسهم الإيمان وهو ليس فيهم، يكونوا كمن يعلمون الله بدينهم، وتعالى الله سبحانه عن ذلك، فعلمه سبحانه محيط بكل ما في السموات، وما في الأرض، بل بكل شي إطلاقا.

– يجب أن نتذكر أن الله سبحانه وتعالى عالم بكل شي حتى بما يتوقر في قلوبنا، فلا ندعي فيها ما ليس فيها.

– أن نعمة الإيمان هبة عظيمة من الله -سبحانه وتعالى- ويجب أن نُقِرّ بفضله سبحانه، أن أنعمها علينا فله المنة من قبل ومن بعد.

 – يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا دائما ومع الآخرين، ونتذكر أن هناك رقيب يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

 – يجب أن نتأدب مع ولي نعمتنا سبحانه، ومع رسوله -صلى الله عليه وسلم- في القول والفعل، ويجب أن نجعل ذلك منهجا لنا في الحياة.

هذا والله أعلم وصلِ اللهم وسلم على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

————————-

المراجع :

١- ناصر بن سليمان العمر (1/3/2011م)، سورة الحجرات دراسة تحليلية وموضوعية،ص٦٩، موقع المسلم، http://www.almoslim.net

٢- ناصر بن سليمان العمر، مرجع سابق، ص١١٠،مرجع سابق.

٣- عزات أحمد السويركي (2010م)، نظرات في سورة الحجرات، ص٤، هيئة التوجيه السياسي والمعنوي بفلسطين، http://www.gca.gov.ps/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=1702

٤- ناصر بن سليمان العمر، مرجع سابق، ص١٣١.

٥- أحمد جهان الفورتيه، القرآن أصل التربية وعلم النفس (قبرض: دار المتلقي، 1994)، ص١٣٢.

٦- وسيم فتح الله، (12/8/1424هـ) آداب وضوابط المجتمع الإسلامي، من خلال سورة الحجرات، ص ٥-٦، موقع صيد الفوائد، http://www.saaid.net/book/open.php?cat=82&book=868

٧- ناصر بن سليمان العمر، مرجع سابق، ص١٠٩.

٨- المرجع السابق.

٩- المرجع السابق، ص١٢١.

١٠- المرجع السابق، ص١١٨.

١١- عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٩٩، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق (مؤسسة الرسالة، 1420هـ-2000م) موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، www.qurancomplex.com

١٢- سيد قطب إبراهيم ، في ظلال القرآن، ج٦،ص٣٣٤٠، (القاهرة: دار الشروق).

١٣- عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المرجع السابق، ص٧٩٩.

١٤-وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص٦.

١٥- سيد قطب إبراهيم، مرجع سابق، ص٣٣٤٠.

١٦- فهد بن ناصر السليمان ، (13/10/1426هـ) تفسير سورة الحجرات، ص١٤، موقع صيد الفوائد، http://saaid.net/book/open.php?cat=101&book=2162

١٧- وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص٨.

١٨- السليمان. المرجع السابق، ص١٨.

١٩- العمر. المرجع السابق، ص٢١.

٢٠- وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص٩.

٢١- سيد قطب إبراهيم، مرجع سابق، ج٦،ص٣٣٤٤.

٢٢- وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص١١.

٢٣- وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص١١.

٢٤- صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ماينهى عن التحاسد والتدابر، ص٥٦٠٦، رقم الحديث ٥٧١٧.

٢٥- سنن أبي داوود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، ص٢٧٠، رقم الحديث٤٨٧٨.

٢٦- وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص١٨.

٢٧- سيد قطب إبراهيم، مرجع سابق، ج٦،ص٣٣٤٥.

٢٨- صحيح مسلم، كتاب البر والصلة الآداب، رقم الحديث٤٦٥١.

٢٩-وسيم فتح الله، مرجع سابق، ص١٨.

٣٠-  عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مرجع سابق، ص٨٠٣.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة اشراق نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.